محمد بن أحمد التميمي المقدسي

128

مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء

يسميه أهل تلك النواحي ريح السواد ، وهو عرض رديء مهلك ، وأكثر ما يعرض في شدة الحر واحتدام الهجير في أيام القيظ وأول أيام الخريف ، وذلك أن الشمس تجتذب في الأيام القائظة من بطن الأرض أبخرة غليظة كدرة مظلمة شديدة الحر واليبس فتأخذ بالأنفاس والأكظام وتقتل قتلا سريعا . وإنما تجتذب الشمس تلك الأبخرة الكدرة اليابسة عند استفراغها في فصل الربيع إصعاد الرطوبات المائية التي تتكون منها الغيوم وتستحيل إلى الأندية ، فإذا قحل وجه الأرض واحترق لكثرة ما اجتذبت الشمس في فصل الربيع من رطوباتها وقوي حرها في أيام القيظ ، كان ما يتصعد من بطن الأرض باجتذابها إلى الجو أبخرة حارة يابسة شديدة السواد محرقة . فإذا مازجت تلك الأبخرة المظلمة الكدرة الهواء الصافي كدرته وأفسدته وأحالته إلى طباعها ، كالماء والثلج الذي يخالط الماء الزلال فيفسده ويحيله إلى طباعه فيستحيل بعد العذوبة أجاجا غير زلال ولا شروب فلا يسبغ الظمآن شربه ، وكالدخان المحتبس في جو بيت لا مخرج له منه فهو محتقن فيه ، فإن مثل ذلك الدخان لا يعيش المتنفس فيه بعض ساعة ، فإذا استنشقه من في ذلك الجو من الناس ومن جميع الحيوانات سدّ « 1 » مجاري أنفاسهم وأخذ بأكظامهم كأخذ الدخان بها ، إذ حياة الإنسان وبقاؤه في هذا العالم بالتنفس الكائن عند حركة الرئة الدائمة الترويح على القلب بإخراجها عنه هواء حارّا وإدخالها إليه بالتنفس هواء باردا تحيى به الحرارة الغريزية كحياة النار بالهواء ، فإذا استحال

--> ( 1 ) خ : سدد .